محمد فاروق النبهان
88
المدخل إلى علوم القرآن الكريم
وذكاء ودقة وحسن فهم وعمق إدراك ، فلا يكتفي في الترجمة أن تكون قاصرة على استبدال لفظة بأخرى ، أو الإتيان بلفظ مكان لفظ ، فهذا مما يحسنه الكثير والترجمة أعمق من ذلك وأدق ، وهي عمل متكامل ، يجري تصحيحه وتقويمه باستمرار ، إلى أن يستوي قريبا من الكمال دقيقا في استيعابه للمعاني والدلالات المطلوبة . والملكة اللغوية هي أساس كل عمل جدير بالتقدير ، ولا بد من ملكة الإجادة في الترجمة ، وهي ملكة نابعة من حسن فهم معاني القرآن باللغة العربية ، وعمق ما يدل عليه الأسلوب القرآني من مقاصد وغايات وتوجيهات . ثالثا : الأهلية والكفاءة والقدرة ، وهذا هو الشرط الذي يعبر عن كثير مما يجب أن يتوفر في المترجم سواء كان فردا أو هيئة من أهلية وكفاءة وقدرة ، ومعرفة كل من اللغتين يدخل ضمن هذا الشرط إلا أن كلمة الأهلية أولى وأوسع ، فليس كل عالم باللغتين مؤهلا للقيام بترجمة القرآن ، كما أن ليس كل عالم بالعربية مؤهلا لتفسير القرآن وفهمه ، فقد ينحرف في تفسيره ، وقد يضله علمه فتلتبس عليه المعاني ، وتضيق عليه الخناق ، فلا يهتدي إلى الطريق ، ولا بد في فهم القرآن من « أهلية » تتجاوز حدود المعايير اللغوية ، فمن ختم اللّه على قلبه بالغفلة وسوء الفهم فلا يتوقع منه خير ، وكم من عالم أحاط بعلم الأولين واستوعب كل الكتب ومع ذلك فقد ضل طريقه ، لأن المعرفة تحتاج إلى بصيرة ثاقبة وأهل البصيرة يدركون بنور تلك البصيرة ما لا يدركه أهل البصر ، فالبصر يحتاج إلى نور ، والنور عطاء من اللّه يمن به على من اطمأن قلبه بذكر اللّه ، وخشعت جوارحه بطاعة اللّه . وفي كل ترجمة للقرآن يجب أن يذكر نص القرآن بلغته العربية ، والتأكيد على أن ذلك النص العربي هو القرآن ، بألفاظه وبرسمه ، وبترتيبه ، وما عداه فهو ليس القرآن ، والقرآن لا يتعدد ، فليس هناك قرآن باللغة العربية ، وقرآن آخر بلغات أخرى ، وليس لأية ترجمة للقرآن ما للقرآن من أحكام ، سواء من حيث التعبد بقراءته أو من حيث وحدة نصوصه ، فالترجمة تتعدد وتقبل الخطأ